السيد محمد باقر الصدر

362

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

الخمر ، بالرغم من الطاقات المادية والمعنوية الهائلة التي جنّدتها السلطة الحاكمة ومختلف المؤسسات الاجتماعية في هذا السبيل ، وليس هذا الفشل المريع إلا نتيجة فقدان الإنسان الغربي للحرية الحقيقية ، فهو لا يستطيع أن يقول ، لا كلما اقتنع عقلياً بذلك ، كالإنسان القرآني ، وإنما يقول الكلمة حين تفرض عليه شهوته أن يقولها ، ولهذا لم يستطع أن يعتق نفسه من أسر الخمر ؛ لأنه لم يكن قد ظفر في ظل الحضارة الغربية بتحرير حقيقي في محتواه الروحي والفكري . تحرير الإنسان في النطاق الاجتماعي : وخاض القرآن بعد معركة التحرير الداخلي للإنسانية - بل وإلى صفها أيضاً - معركة التحرير في النطاق الاجتماعي . فكما حطّم في المحتوى الداخلي للإنسان الأصنام التي تسلبه حرّيته الإنسانية ، كذلك حطّم الأصنام الاجتماعية وقضى على عبادة الإنسان للإنسان « قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » فعبودية الإنسان للَّه‌تجعل الناس كلهم يقفون على صعيد واحد بين يدي المعبود الخالق ، فلا توجد امّة لها الحق في استعمار امّة أخرى واستعبادها ، ولا فئة من المجتمع يباح لها اغتصاب فئة أخرى وانتهاك حريتها ، ولا إنسان يحقّ له أن ينصب نفسه صنماً للآخرين . ومرّة أخرى نجد أنّ هذه المعركة القرآنية الثانية من معارك التحرير قد استعين فيها بنفس الطريقة التي استعملت في المعركة الأولى وتستعمل دائماً في كل ملاحم القرآن ، وهي التوحيد . فمادام الإنسان يقرّ بالعبودية للَّه‌وحده فهو يرفض بطبيعة الحال كلّ صنم وكلّ تأليه مزوّر لأيإنسان وكائن ، ويرفع رأسه حراً أبياً ، ولا يستشعر ذلّ العبودية والهوان أمام أي قوّة من قوى الأرض أو صنم